القاضي عبد الجبار الهمذاني

49

المنية والأمل

يد الخليل قدح زجاج - « يا بنى صف لي هذا » ، فقال : « أمدح أم أذم » ، قال : « بل امدح » . فقال : « نعيم يريك القذى ، لا يقبل الأذى ويستر ما روى » . قال : « فذمها » قال « سريع كسرها ، بطيء جبرها » ، قال : « فصف لي هذه النخلة » . فقال مادحا : « حلو مجتناها ، باسق منتهاها ، ناضر أعلاها » . وقال في ذمها : « صعبة المرتقى ، بعيدة المجتنى محفوفة بالأذى » . فقال الخليل : « يا بنى ! نحن إلى التعلم منك أحوج ، إلى غير ذلك من المحاسن » . روى أنه كان يقول ، وهو يجود بنفسه : « اللهم ! إن كنت تعلم أني أقصّر في نصرة توحيدك ، اللهم ! ولم أعتقد مذهبا الا سنده التوحيد ، اللهم ! إن كنت تعلم ذلك مني ، فأغفر لي ذنوبي ، وسهل علي سكرة الموت » . قالوا : فمات في ساعته . قال الجاحظ : « ما رأيت أحدا أعلم بالكلام والفقه من النظام . ومن هذه الطبقة : أبو سهل بشر بن المعتمر الهلالي . قال أبو القسم : وهو من أهل بغداد ، وقيل بل من أهل الكوفة ، ولعله كان كوفيا ثم انتقل إلى بغداد ، وهو رئيس معتزلة بغداد ، وله قصيدة « أربعون ألف بيت » رد فيها على جميع المخالفين ، وقيل للرشيد أنه رافضي ، فحبسه ، فقال في الحبس شعرا : لسنا من الرافضة الغلاة * ولا من المرجئة الحفاة لا مفرطين بل نرى الصّديقا * مقدّما والمرتضى الفاروقا نبرأ من عمرو ، ومن معاوية إلى آخر ما ذكره ، فلما بلغت الرشيد أفرج عنه . قال القاضي : وكان زاهدا عابدا إلى اللّه تعالى . وقال بعض المجبرة لأصحاب بشر : « أنتم تحمدون اللّه على إيمانكم » . فقالوا : « نعم » ، فقال المجبرة : « فكأنه يحب أن يحمد على ما يفعل ، وقد ذم ذلك في كتابه » ، فأقبل ثمامة ، فقال : « هؤلاء أجابوك ، وهذا أبو مضر ، فأسأله » ، فقال : « لا بل هو يحمدني على الايمان ، لأنه أمرني به ففعلته ، وأنا أحمده على الأمر به والتقوية عليه ، فانقطع المجبرة » ، فقال بشر : « شنعت المسألة فسهلت ، قال الجاحظ : « لم أر أحدا أقوى على المخمس والمزدوج ، ما أقوى عليه بشر ، وهو